جيرار جهامي ، سميح دغيم
612
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
الاستمرار في الثقافة الوطنية ، وتأصيل الحاضر ، ودفعه نحو التقدّم ، والمشاركة في قضايا التغيير الاجتماعي . التراث هو نقطة البداية كمسؤولية ثقافية وقومية ، والتجديد هو إعادة تفسير التراث طبقا لحاجات العصر ، فالقديم يسبق الجديد . والأصالة أساس المعاصرة ، والوسيلة تؤدّي إلى الغاية . التراث هو الوسيلة ، والتجديد هو الغاية وهي المساهمة في تطوير الواقع ، وحلّ مشكلاته ، والقضاء على أسباب معوقاته ، وفتح مغاليقه التي تمنع أي محاولة لتطويره . والتراث ليس قيمة في ذاته إلّا بقدر ما يعطي من نظرية علمية في تفسير الواقع والعمل على تطويره ، فهو ليس متحفا للأفكار نفخر بها وننظر إليها بإعجاب ، ونقف أمامها في انبهار وندعو العالم معنا للمشاهدة والسياحة الفكرية بل هو نظرية للعمل ، وموجّه للسلوك ، وذخيرة قومية يمكن اكتشافها واستغلالها واستثمارها من أجل إعادة بناء الإنسان وعلاقته بالأرض ، وهما حجرا العثرة اللتان تتحطم عليهما كل جهود البلاد النامية في التطوّر والتنمية . . . « التراث والتجديد » إذن يحاول تأسيس قضايا التغيّر الاجتماعي على نحو طبيعي وفي منظور تاريخي ، يبدأ بالأساس والشرط قبل المؤسس والمشروط . ( حسن حنفي ، التراث والتجديد ، 13 ، 2 ) . - مهمة التجديد عملية لا نظرية ، وهي المساهمة في البناء النظري للواقع وذلك بالقضاء على الأفكار الثابتة فيه والأحكام المسبقة التي يمكن أن تكون أساسا نظريّا لتغيير الواقع . التجديد جزء من البناء النظري للواقع وجانب من الإيضاح للسلوك . فالتراث ليس غاية في ذاته بل وسيلة لتحريك الجماهير وتغيير الواقع ، وليس موضوعا في ذاته نفخر به وبمعاصرته ولكن معاصرة الناس هي المطلوب تحقيقه . التراث لا يحتوي على أنساق نظرية خالصة يهمنا الكشف عنها بل يحتوي على إمكانيات عملية يكشف عنها المفكّر بإعادة تفسيره طبقا لمصلحة الجماهير ، وهذا لا يمنع من وجود حقائق نظرية واحدة هي قوانين التاريخ ، ولكنها أيضا واقع تحوّل إلى مستوى النظر وأصبح نمطا نظريّا مثاليّا أساسه تجربة واقعية . وقد احتوى مصدر التراث الأول ، أعني الوحي ، هذه المجموعة من الحقائق النظرية التي قامت في الأصل من مجموعة مماثلة من التجارب الحيّة في الواقع ثم تحوّلت إلى حكمة شعبية تتناقلها الأجيال كجزء من ثقافتها الوطنية . لا يعني تجديد التراث محاولة إصلاح القديم وترميمه حتى يمكن الإبقاء عليه كموضوع مستقل يلبس ثوب العصر ، بل يعني عرض الموروث القديم على احتياجات العصر ومطالبه ، فهي التي تفسّر القديم . ليس القديم موضوع البحث بل واقعنا المعاصر ، وليست الغاية هي البحث عن معان في القديم حديثة لا تعارض العقل أو العلم أو التقدّم ، بل المساهمة الفعلية في تطوير الواقع الذي نعيشه بما أن مشكلة التطوير هي مشكلة العصر . والدافع على التجديد ليس ترميم الماضي بل تغيير الحاضر . ( حسن حنفي ، التراث والتجديد ، 56 ، 4 ) .